بقلم حسن النجار: التصعيد الأمريكي الإيراني بين التفاوض والهاوية
المفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم والمتخصص في الشؤون السياسية الدولية
الوطن اليوم الاخبارية – 8 فبراير 2026
بقلم | حسن النجار
لا شك أن مسار التصعيد الأمريكي الإيراني يشهد تحوّلًا نوعيًا في ضوء الجولة الأولى من المفاوضات، التي وُصفت بالإيجابية من الطرفين، ولاقت ترحيبًا واضحًا من دول الإقليم، باعتبارها نافذة أمل لتفادي انفجار إقليمي واسع. غير أن قراءة متأنية للمشهد تفرض وضع عدد من الحقائق في الاعتبار، أبرزها أن طهران،
وإن أبدت مرونة محسوبة واستعدادًا للنقاش حول بعض الشروط الأمريكية، فإنها لا تنظر إلى أي تنازل محتمل باعتباره خطوة مجانية، بل تسعى في المقابل إلى ثمن سياسي واقتصادي واضح ومحدد.
فإيران تدرك جيدًا أن أوراق القوة التي تمتلكها لا تزال فاعلة، وأن لحظة التفاوض هي لحظة تحسين شروط، لا لحظة استسلام. ومن هنا جاء موقفها الحازم والمختلف خلال جولات التفاوض التي أعقبت حرب “الـ12 يومًا” في يونيو 2025،
حيث لجأت إلى التلويح المدروس باستخدام بعض أوراق الضغط، وعلى رأسها ورقة مضيق هرمز، في إطار تصعيد محسوب لا يستهدف تفجير الأوضاع أو الانزلاق إلى مواجهة شاملة، بقدر ما يندرج ضمن سياسة رفع سقف التفاوض وتحسين موقعها على طاولة الحوار.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة، في ظل تصريحات ورسائل الرئيس دونالد ترامب النارية، والتحشيد العسكري المكثف في المنطقة، متمسكة بسياسة “الضغط الأقصى”،
مع توظيف واضح للعامل النفسي في إدارة الصراع. فواشنطن تحاول إقناع طهران بأن البديل عن التفاهم هو كلفة باهظة، دون أن تغلق الباب نهائيًا أمام الحل الدبلوماسي، وهو ما يفسر هذا التوازن الدقيق بين لغة التهديد واستمرار قنوات التفاوض.
غير أن أخطر ما في المشهد برمّته لا يكمن في السلوك الأمريكي أو الإيراني بقدر ما يتمثل في الضغوط الإسرائيلية المتواصلة على الرئيس ترامب، لدفعه نحو حسم عسكري بأي ثمن وبأي وسيلة.
فهذه الرغبة ليست وليدة اللحظة، بل تمثل هدفًا استراتيجيًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ اندلاع حرب غزة في السابع من أكتوبر 2023، حيث يسعى إلى توسيع دائرة الصراع وإعادة توجيه بوصلة التوتر نحو إيران.
وقد عبّر نتنياهو عن هذا التوجه بوضوح خلال لقائه مع مبعوث الرئيس ترامب في تل أبيب، قبيل جولة مفاوضات عُمان، حين شدد على رفض أي “اتفاق منقوص”، مطالبًا بأن يشمل أي تفاهم محتمل البرنامج النووي الإيراني،
والبرنامج الصاروخي، ودور وكلاء إيران في المنطقة، وإلا فإن الخيار المفضل من وجهة نظره هو التدخل العسكري لإسقاط النظام، وهو السيناريو الذي طالما تمنى حدوثه.
انطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن السيناريو المرجح في المدى المنظور يتمثل في استمرار الضغوط المتبادلة دون صدام مباشر، بالتوازي مع مفاوضات شاقة ورسائل سياسية وعسكرية متبادلة، وربما تصعيد محدود ومحسوب يهدف إلى تحسين شروط التفاوض، لا إلى كسر قواعد الاشتباك القائمة.
لكن يبقى سيناريو الفشل حاضرًا، وهو الأخطر، إذ قد يقود إلى تصعيد تدريجي متعدد الجبهات، تشارك فيه أطراف إقليمية ووكلاء،
بما يفتح الباب أمام حرب شاملة وحالة استنزاف طويلة الأمد. وهو خيار غير مرغوب من جميع الأطراف، لما يحمله من كلفة باهظة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، ليس على الشرق الأوسط وحده، بل على النظام الدولي بأسره.
وفي المحصلة، فإن لحظة الاختيار لا تزال قائمة: إما تغليب منطق التفاوض والعقلانية السياسية، أو الانزلاق نحو هاوية صراع لا رابح فيه. وهي رسالة يجب أن ينتبه إليها الجميع، في الغرب قبل الشرق، لأن الثمن – إذا اندلعت المواجهة الشاملة – سيدفعه الجميع بلا استثناء.
حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار ؟






